أحمد الشرباصي
130
موسوعة اخلاق القرآن
الاعتبار إن مادة « عبر » كما يذكر « معجم مقاييس اللغة » لها أصل واحد يدل على النفوذ والمضيّ في الشيء ، والعابر هو الناظر في الشيء ، والعبرة كالموعظة مما يتعظ به الانسان ويعمل به ويعتبر ليستدل به على غيره ، والعبرة - بفتح فسكون - هي الدمع لأنه يجري ، والاستعبار تحلّب الدمع ، وفي حديث أبي بكر أنه ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم استعبر فبكى . والعبرة - بكسر فسكون - هي الحالة التي يتوصل بها العاقل من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد ، والعبرة أيضا هي الدلالة الموصّلة إلى اليقين ، المؤديّة إلى العلم ، وهي من العبور ، كأنها طريق يعبر به ، ويتوصل به إلى المراد ، وقيل : العبرة هي الآية التي يعبر بها الانسان من منزلة الجهل إلى منزلة العلم ، وقد جاء في حديث أبي ذر : فما كانت صحف موسى ؟ . قال : كانت عبرا كلها . ومن طبيعة المعتبر بالأشياء أو بالآيات أو الأخبار أن تتكون له صفة يقتدر بها على ترك الجهل وبلوغ العلم حسبما يلوح له من عبر . وحينما يقول الحق جل جلاله : « فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ » كأنه قد قال وهو أعلم بمراده : انظروا إلى من فعل ما فعل ، فجوزي بما جوزي به ، فتجنبوا صنيع الأشرار من السابقين ، لئلا ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك . وفي مادة « العبرة » معنى الضبط والتمييز ، ولذلك تقول اللغة : عبّر الصيرفيّ الدنانير تعبيرا : أي وزنها دينارا دينارا . وفيها معنى البيان والإيضاح ، ولذلك يقول القرآن الكريم : « يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ